التسول: ظاهرة متجددة في مدينة صيدا .. الى متى؟!!

عاصمة الشتاتwait... مشاهدةآخر تحديث : السبت 3 نوفمبر 2018 - 5:20 مساءً
التسول: ظاهرة متجددة في مدينة صيدا .. الى متى؟!!
مشاريع شقق جهاد أبو سيدو

خاص موقع عاصمة الشتات

تقرير: عز الدين ياسين – ريم يعقوب – أماني سلامة – عائشة قاسم

التسول ظاهرة اجتماعية تعني طلب مال، أو طعام، أو مبيت من عموم الناس باستجداء عطفهم وكرمهم إما بعاهات أو بسوء حال أو بالأطفال، بغض النظر عن صدق المتسولين أو كذبهم، وهي ظاهرة أوضح أشكالها تواجد المتسولين على جنبات الطرقات والأماكن العامة الأخرى.

ويمكن أن يكون التسول مهنة متوارثة عن الآباء فترى الصغار منذ نعومة أظفارهم ينتشرون بالطرقات مع أهاليهن على شكل عائلات كاملة وممكن أن تقتصر على النساء والأطفال ويقودها شبكة خفية من الرجال لتوزيع المهام واستغلال ضعف هذه الفئات من المجتمع.

يَستخدمُ المُتسوّلون أشكالاً مُختلفةً للقيام بالتسوّل، ويتّخذون كثيراً من الطرق والحيل للحصولِ على المال ويتفنّنون في ذلك، ومن هذه الأشكال: إظهارُ الحاجة الماسّة للناس عبر البكاء، كأن يَدّعي المتسوِّل أنّه عابرُ سبيل ضاع ماله أو نفد، فيطلب من الناس المساعدة، وانتحالُ بعضِ الأمراض والعاهات غير الحقيقية عبر الخداع والتّمويه؛ كاستخدام المستحضرات التجميلية مثلاً لاستثارة عواطف الناس. طلبُ التّبرعات؛ لأجلِ مشروعٍ خيري كبناءِ المساجد أو المدارس ونحوها، ادّعاء الشخص إصابته بالخلل العقليّ عبر التلفّظ بعباراتٍ غير مفهومة أو التلويح بإشاراتٍ مُبهمة؛ لكسب شَفقة النّاس وأموالهم، وايضاً اصطحاب الأطفال خاصّةً الأطفال الذين يُعانون من خللٍ أو إعاقة مُعيّنة إلى أماكن مُعيّنة يرتادها الناس بكثرة كالمساجد والأسواق؛ لكسب عواطف الرّحمة والعطف لدى الناس، واحياناً استئجار أطفالٍ واستخدامهم كوسيلة للتسول مع دفع مقابلٍ لأسرة الطفل؛ حيثُ يقومون بعمل عاهات مُصطنعة للأطفال غالباً ما تكون باستخدام أطراف صناعية مشوّهة، وكذلك استغلال مشاعر النّاس وعطفهم عبر إظهار وثائق رسميّة وصكوك غير حقيقيّة لحوادث وهميّة يَلزم دفعها كفواتير الماء والكهرباء، أو وصفات الأدوية.

وللتسوِّل أسباب عدّة، منها: ازدياد الفقر وانتشاره ليشمل أعداداً أكبر في المُجتمعات، وازدياد نسب البطالة لدى الشّباب، وضعف التوكِّل على الله والثّقة برزقه؛ حيثُ ضمِن الله للكائنات جميعاً رزقها، قال تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)، وايضاً تفضيلُ بعضِ النّاس الراحة والكسل على العمل والنشاط، ممّا يدعوهم للتسوّل باعتبارها حِرفةً مُريحة ومُجدية، وتراجُع الدّور الاجتماعي بين النّاس في المُجتمع، وغيابُ الشّعور بالعدالة الاجتماعية،وايضاً تشجيعُ بعضِ النّاس للمتسوّلين؛ إذ يغلبهم شعور الرأفة والعطف فيُعطون دون تردّد ظنّاً منهم أنّ بذلك يساعدونهم للتخلص من مشاكلهم.

ومع تفاقم موجة النزوح الكثيفة من سوريا الى لبنان نتيجة الحرب، وجد العديد من النازحين السوريين أنفسهم بلا مأوى ولا معيل، مما اضطرهم للعمل والتسول في الشوارع، وبالتالي ساعد ذلك في تفاقم هذه الظاهرة وانتشارها بشكل كبير في المجتمع اللبناني، فوق دراسة لوزارة العمل اللبنانية بعنوان: «الأطفال المنتشرون والعاملون في الشوارع في لبنان: خصائص وحجم» بيّنت الى ان المعطيات الديموغرافية تشير الى أن 73 بالمئة من الأطفال الذين يتسولون ويعملون في الشوارع هم سوريون، أتى 61 بالمئة منهم الى لبنان خلال السنوات الست سنوات الماضية. أما نسبة اللبنانيين، فهي 10 بالمئة ، مقابل 8 بالمئة فلسطينيين، والجزء الباقي هم من عديمي الجنسية أو الأقليات الإثنية.

ولمتابعة هذه الظاهرة عن كثب، توجهنا لنقطة تجمع لعدد من من الأطفال المتسولين في مدينة صيدا فتحدثنا مع فتاة تبلغ من العمر سبع سنوات تبيع ما تحمله بخجل شديد ووهن ملاحظ، فقالت انه في كل يوم تأتي سيارة “بيك أب” وتضعنا انا وكل الاطفال الموزعين هنا وأشارت باصبعها عليهم دون أن نعرف هم أخوة أو من عائلة واحدة أم لا… تضعنا في هذا الشارع ويطلب منا أن نبيع كل علب المحارم والعلكة وإلا لن ترجع السيارة لأخذنا.. وعندما سؤالها عن حنسيتها ومكان سكنها لم تستطع الاجابة إما اتباع للتعاليم التي عادة تعطى في مثل هذه الأعمال وإما عن جهل عن معنى الانتماء والجنسية.. فقد كانت تحمل من البراءة الشئ الكثير ويبدو بدون شك أنها لا تعرف للمدرسة طريق.. حتى انها من تعبها كادت تغفو على الكرسي الذي جلسنا عليه لنتحدث…

أما عن بقية المجموعة فقط كانت متنوعة بين أطفال تحت العشر سنوات وبين نساء يرتدون الثياب الرثة والفضفاضة والتي تبدو خصيصا لتلك المهمة… والملاحظ انه لم يكن بينهم في المجموعة اي من الشباب البالغين او الرجال، وقد يكون هذا الأمر جزء من الدقة في العمل والتنطيم في توزيع المهام يقبع وراءها شبكة من الرجال والمخططين والمتكسبين…

ومن جهة أخرى توجهنا ايضاً لبلدية صيدا لمعرفة الدور الذي يقومون به في مواجهة هذه الظاهرة، حيث اكدوا لنا ان صلاحيات البلدية محدودة جداً في هذا الأمر ويقتصر دورها على توقيف المتسولين من الشوارع مع الحذر الشديد لضمان عدم تعرضهم للخطر أثناء الملاحقة، ومن ثم اقتيادهم مباشرة دون التحقيق معهم الى قوى الأمن الداخلي والذين بدورهم يحولونهم الى قاضي الأحداث فاما ان يسجنهم او يطلق سراحهم من جديد بشرط عدم العودة لمثل هذه الأعمال، وأشارت البلدية ان سبب تسليم الأطفال الى قوى الأمن الداخلي هو عدم وجود مراكز تأهيل ورعاية تحتض الأطفال المتسولين وترعى شؤونهم.

ولمعرفة الاثار النفسية الناتجة عن هذه الظاهرة، التقينا بالاخصائية النفسية شاريهان الحريري، حيث اكدت بأن هذه الظاهرة لها الكثير من الأثار النفسية السلبية الخطيرة على الأطفال، ومن هذه الأثار: حدوث اضرابات نفسية وتولد الاحباط والعداونية لان المتسول عادة يعيش حالة من كبيرة من الفراغ والحرمان العاطفي، ويتعامل بيئة غير بيئته، وأيضاً يعيش قلق نفسي مستمر لانه لا يعيش حياة طبيعية كباقي الاطفال فهو مستثنى من حقه في تحصيل العلم واللعب والعيش بكرامة، وأيضاً يعاني المتسول من تحقير وكره النفس والتهميش والشعور الدائم بالدونية، مما قد يدفعه الى سلوكيات خطيرة كايذاء نفسه ومحاولة الانتحار، بالاضافة الى ذلك فان المتسول قد يكون في المسقبل مشروع منحرف في المجتمع لانه منذ نعومة اظافره وهو يعيش ظروف صعبة وبعيدة عن سلطة القانون.

وعن الحلول لمعالجة هذه الظاهرة، قالت الحريري انه لا وجود لحلول ذرية لبتر هذه الظاهرة ولكن يمكن ان نقدم بعض الاقتراحات التي يمكن ان تساعد في التخفيف من هذه الظاهرة الى حد كبير، ومن هذه الحلول: العمل على انشاء مؤسسات تحتضن الأطفال المستولين وترعاهم رعاية كاملة من حيث المأوى الآمن والمأكل والتعليم، وأيضاً يجب أيجاد جمعيات متخصصة تهتم بتعليم الأطفال ومتابعة مسيرتهم التعليمية وتحصيلهم الدراسي خطوة بخطوة، وأيضاً من اهم الحلول هي تنظيم حملات التوعية من خلال نشاطات مختلفة في المجتمع تلقي الضوء على خطورة هذه الظاهرة من الناحية النفسية والاجتماعية والقانونية، وأيضاً متابعة اللجان الأمنية المختصة في الدولة للذين يستغلون الأطفال ويجبرونهم على القيام بفعل التسول لتحصيل الكسب المادي.

الى ذلك فقد برزت حملة في مدينة صيدا نظمها العديد من النشطاء الشباب في المدينة وكانت تحمل اسم “بائعة الورد”، وحدثنا الاعلامي حسان مسعود (وهو أحد المنظمين لهذه الحملة ) عن أسباب انطلاقتها، فأشار الى ان الحملة انطلقت على اثر تعرض فتاة صغيرة تبلغ من العمر ثمانية سنوات وتبيع الورد في تقاطعات صيدا لحادث سير اليم أدى الى وفاتها وذلك بينما كان يقلها أخاها من أن أمام احد التقاطعات بعد يوم شاق وصعب ارهق صغر جسمها وقضى على طفولتها، ويتابع حسان: بأن هذه الفتاة كانت محبوبة لدى العديد من أبناء المدينة بالرغم من ظروفها وحياتها المأساوية والصعبة الا ان البسمة الدائمة لا تكاد تغادر شفاهها، وعلى أثر ذلك تم الاتفاق مع عدد من النشطاء الشباب من المدينة والذي كانوا على علاقة مباشرة مع هذه هذه الفتاة قبل وفاتها، على تشكيل فريق يسلط الضوء على قضية الفتاة ويتابع الأسباب الحقيقية وراء عملها في التقاطعات والشوارع، ومن المسؤول عن ذلك.

ويقول حسان وانه بعد عدة لقاءات تم الاتفاق على تشكيل حملة في مدينة صيدا باسم (بائعة الورد)، فبدأت عملها في تصميم البوسترات وتعليق اليافطات في الشوارع، وبعد هذا النشاط المتواضع بدى الاهتمام الواضح لدى المجتمع الصيداوي بهذه القضية، مما دفعنا الى انشاء صفحة عبر موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك تحت عنوان (بائعة الورد)، والمفاجأة ان هذه الصفحة لاقت رواجاً وتفاعلاً كبيرا داخل مدينة صيدا وخارجها، حيث انه ومن خلالها تم الاتصال بنا من قبل عدة قنوات تلفزيونية لبنانية، ومن بينها قناة الجديد حيث اجرينا مقابلة معها عن هذه القضية عبر برنامج “للنشر”، وساعد البرنامج في ارسال فريق استقصائي توجه الى منزل الفتاة للوقوف على حيثيات القضية، فتم الوصول الى معلومات مفادها ان زوج والدة هذه الطفلة هو وراء تشغيلها ويستكسب مادياً عن طريق استغلالها في هذه الأعمال، وتم بعد ذلك ملاحقة الزوج وتوقيفه من قبل الأجهزة الأمنية.

وعن الأثر الذي تركته هذه الحملة في مدينة صيدا، يقول حسان بأنه زار مع عدد من منظمي الحملة محافظ الجنوب في لبنان وأطلعه على الظروف التي يعيشيها الأطفال المتسولين على الشوارع وضرورة العمل على معالجة هذه الظاهرة باسرع وقت، فأبدى المحافظ تجاوباً كبيراً، وأصدر قراراً يقضي بمنع السماح بظهور هذه الظاهرة كلياً في المدينة ومتابعة الموضوع على كافة المستويات في سبيل العمل على معالجته، فاستمر القرار ساري المفعول ما يقارب الستة أشهر ولم يُلاحظ حينها في التقاطعات والطرقات أي من الأطفال المتسولين.

وفي الختام وأمام هذا كله، لا يسعنا الا ان نقول ان ظاهرة التسول تدق ناقوس الخطر فقد توسعت دائرة انتشارها في مدينة صيدا على وجه التحديد، ولا يمكن مواجهة هذه الظاهرة الا بالتعاون الكامل بين المجتمع والدولة، فالمسؤولية مركبة ولا تقف عند أحد، ويجب على الجميع السعي الى انشاء مراكز تأهيل بالتعاون مع المنظمات والمؤسسات المحلية والدولية، لأن البديل عن الشارع يجب ان يتمتع بمؤهلات خاصة لان المستولين بحاجة الى اعادة تأهيل على كافة المستويات لكي يعودوا الى السلوك السوي وممارسة الحياة الطبيعية داخل المجتمع.

مشاريع شقق جهاد أبو سيدو
رابط مختصر
2018-11-03 2018-11-03
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

أدخل الرمز التالي *

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة موقع عاصمة الشتات - وهي تعبر عن رأي كاتبها حصرياً.

عاصمة الشتات