الزواج المبكر.. زواج أم اغتيال طفولة ؟!

عاصمة الشتاتwait... مشاهدةآخر تحديث : الثلاثاء 27 نوفمبر 2018 - 1:59 مساءً
الزواج المبكر.. زواج أم اغتيال طفولة ؟!
مشاريع شقق جهاد أبو سيدو

اعداد: خديجة حوا – مركز راصد للدراسات والانتاج الاعلامي

الزواج المبكر هو مشكلة قديمة ولكنها ما زالت موجودة في العديد من المجتمعات التي لا تزال تتبع تقاليد وأعراف خاطئة يعتقدون بأنها الصواب، فرغم ما نصت عليه وثيقة اتفاقية حقوق الطفل،ووثيقة حقوق الإنسان، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو” ، في الحق بالحماية،الرعاية،الشعور بالأمان، الصحة، وفي التعليم والتنمية،فإن الفتاة في مجتمعاتنا ما زالت هي الحلقة الأضعف، إذ أنها لا تزال عرضة للزواج المبكر بحجة الحماية.

يُعتبر الزواج مبكرًا عندما يتم في عمر أقل من 18 سنة، حينها تكون الفتاة غير مهيأة نفسيًا ولا جسديًا لخوض هذه التجربة،وبما أن الفتاة في هذه المرحلة لا تمتلك القدرة على إعطاء أي موافقة أو إبداء رأيها بسبب صغر سنها،يمكن تسمية هذا الزواج بالزواج الإجباري مجازاً،ذلك لأن القرار الأصعب في حياة الفتاة، وهو الزواج،والذي يجب ان يقوم غيرها باتخاذه.

هذه الظاهرة تزداد في دول وتقل في أُخرى، وذلك حسب العوامل والأسباب التي تؤثر على تفشيها، وقد أفادت إحصائيات لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسيف” في السادس من مارس عام 2018 بأن ما يقارب الـ 12 مليون فتاة تحت سن الـ 18 تزوجن سنويًا في العالم،وقالت المنظمة أن هناك نحو 650 مليون امرأة موجودة حاليًا قد تزوجن في سن الطفولة، كما أن المنظمة حذرت من أنه اذا استمر زواج الأطفال بالمعدل الحالي،فإن أكثر من 150 مليون فتاة في جميع أنحاء العالم سيتزوجن قبل عامهن الثامن عشر بحلول عام 2030.

تتعدد أسباب اللجوء الى الزواج المبكر، فهذه الظاهرة منطلقة من الفقر والبطالة والحالة الإقتصادية العامة لأسرة الفتاة، اذ تميل بعض الأسر الى تزويج بناتهن في سن مبكر للتخفيف من المصاريف وتكاليف التعليم،خاصة الأسر ذات العدد الكبير من الأطفال وذات الدخول المنخفضة،وذلك للاستفادة من مهرهن والتخلص من مسؤوليتهن،ليرجعها البعض الى اسباب تتعلق بثقافة المجتمع والموروثات الإجتماعية السلبية من عادات وتقاليد وأعراف، إضافة الى الحفاظ على الشباب والفتيات من الإنحراف، والتمييز بين الجنسين من خلال ربط بعض المفاهيم البالية بالفتاة فقط، كالشرف والسترة،واعتبار الزواج هو السبيل الوحيد لضمان وصيانة شرف العائلة من أي سوء خُلُقي قد يمس بسمعتها.

يخلق الزواج المبكر آثارًا سلبية عميقة على الصعيد الجسدي والنفسي عند الفتيات، ذلك لعدم امتلاكهن النضج الفكري والجسدي الكافي لتحمل المسؤولية، كما أنه يؤثر سلبًا على المجتمع أيضًا.

من الناحية النفسية، فهذه الطفلة التي تزوجت قد تحولت بين ليلة وضحاها الى امرأة لا تدرك متطلبات الزواج واحتياجاته، مما يجعلها تحت ضغط الحياة الزوجية والمسؤوليات الكثيرة المطلوبة منها، والتي لا تستطيع القيام بها على أكمل وجه، وذلك بسبب صغر سنها وقلة خبرتها، كما أن الفتاة في هذه المرحلة لا تمتلك القدرة على إبداء رأيها في أمور تخص حياتها،مما ينعكس على تقييمها لذاتها بشكل سلبي، الأمر الذي يترك أثرًا واضحًا على ثقتها بنفسها، وقدرتها على بناء علاقات اجتماعية مع من حولها، وفي هذا الشأن تقول الأخصائية النفسية فاطمة قنديل:” إن الفتاة القاصر غير مهيأة نفسيًا لخضوع مرحلة جديدة،وهي انتقالها من مرحلة الطفولة الى مرحلة جديدة تتخللها المسؤوليات الكبيرة التي قد تكون فوق طاقتها، فهي تدخل معترك الحياة قبل أن تكون مهيأة لتصبح أم وزوجة وربة منزل، ولا تدرك ما يعنيه الزواج من مسؤوليات وحقوق وواجبات،الأمر الذي  يحرمها من الاستقرار النفسي، ويؤثر سلبًا على ثقتها بنفسها، ويزيد الشعور بالتوتر والقلق، والذي ممكن أن يوصل الى الاكتئاب والوسواس القهري”.

ومن الناحية الجسدية، فالفتاة ليست مستعدة بدنيًا للحمل والولادة، الأمر الذي يؤثر سلبًا على حياتها وحياة طفلها، اذ أنها قد تتعرض الى العديد من المشاكل الصحية خلال الحمل بسبب ضعف جسدها وعدم قدرتها على تحمل تجربة الحمل في هذا السن المبكر،كخطر التعرض للإجهاض المتكرر وتسمم الحمل، ومخاطر الولادة القيصرية بسبب عدم اكتمال الحوض، وتعرضها للأنيميا ونقص التغذية، مما يؤدي الى ارتفاع نسبة الوفيات عند الأمهات، بالإضافة الى الانعكاسات الصحية على الجنين والرضيع من ولادة بوزن قليل، الى سوء تغذية وجهل بالرضاعة الطبيعية الصحية، مما يؤثر على ارتفاع نسبة وفيات الأطفال،وحول هذا الموضوع، قالت هدى نجار، أخصائية نسائية وتوليد وجراحة:” يؤدي الزواج المبكر الى تبدلات فيسيولوجية في جسم الفتاة، ذلك لأن نموها الجسدي لا يكتمل قبل سن الـ18، وعدم الاكتمال هذا يؤثر على الجهاز العظمي وبناء الأنسجة، كما أن الزواج بسن مبكر يزيد من نسبة الإجهاض بسبب التشوهات الصبغية”، كما أنها أشارت الى تأثير الزواج المبكر على ارتفاع نسبة الولادات القيصرية، وخطورة هذا الأمر على الأم والطفل، فقالت:” ان الولادة القيصرية تؤثر على الجهازالهضمي والجهاز البولي عند الفتيات، كما أنها تؤثر على الجنين، اذ تكثر نسبة وفيات الأطفال، والأطفال الخدج، كما أنهم ممكن أن يتعرضوا الى تخلف عقلي أو شلل دماغي، ذلك لأن بعض حالات الولادة ممكن أن تكون عسيرة،حيث يتم الاستعانة بالملقاط لتسهيل الولادة”.

طبقًا للأمم المتحدة، فإن مضاعفات الحمل والولادة هي الأسباب الرئيسية للوفاة بين الفتيات اللاتي تتراوح أعمارهن بين 15-19 سنة في البلدان النامية. ومن بين 16 مليون مراهقة يلدن كل عام، فإن حوالي 90 في المئة منهن متزوجات بالفعل. وتقدر اليونيسف أن حوالي 50000 منهن يتعرضن للموت، وأكثرهن في البلدان المنخفضة الدخل والبلدان المتوسطة الدخل، ويكون الإملاص (المولود ميتاً) ووفيات الأطفال حديثي الولادة أعلى بمقدار 50 في المئة بين الأمهات تحت عمر 20 عامًا مقارنة بالنساء اللواتي حملن وهن في عمر العشرينات.

أما على الصعيد الاجتماعي, وبما أن الفتاة تحرم في هذه الحالة من فرصة استكمال تعليمها، والذي يُعد أمر ضروري لتطوير قدراتها وإمكانياتها، وذلك بسبب زيادة المسؤوليات ومتطلبات الزواج من عناية بالأولاد والمنزل، فإن فرص تعليم الأطفال أصبحت قليلة،مما أدى الى ارتفاع نسبة الأمية والجهل في المجتمع، الأمر الذي جعل الفتاة تُحرم من فرصة العمل والإنتاج، والأثر السلبي لذلك على تكوين شخصية الفتاة المستقلة نفسيًا وإقتصاديًا، وعلى مشاركتها في الأنشطة المجتمعية، كما أنه يؤثر سلبًا على تقدم وتنمية المجتمع، الأمر الذي ينعكس على تربية وتعليم ورعاية الأطفال وتهيأتهم بشكل سيئ بسبب البيئة التي تربوا فيها، تقول الأخصائية الاجتماعية داليا ابو الهيجا:” الزواج المبكر يعني بالضرورة زيادة فرص الحرمان من التعليم، بسبب الانقطاع عن الدراسة، كما يعني نسبة عالية من الخصوبة؛ وهذا يعني تكريس للدور الإنجابي للمرأة، وحرمانها من الفرص المتساوية في التعليم والتطور والنمو، كما يعني الانعزال عن الحياة العامة والمشاركة المجتمعية، وبسبب انخفاض مستوى التعليم،فهن أقل استخدامًا لوسائل منع الحمل وتنظيم الأسرة،بالتالي فهن ينجبن عدد أكبر من الأطفال في بيئة غير سوية، الأمر الذي يؤثر على تنمية المجتمع”.

يؤثر الزواج المبكر أيضًا على ارتفاع معدلات الطلاق لهذا النوع من الزيجات، خصوصًا حالات الطلاق المبكر، إذ أن الطرفين غير مؤهلين وغير ناضجين فكريًا وماديًا لتحمل المسؤوليات وإدارة شؤونهم بالشكل اللازم والمطلوب، وبهذا الشأن تضيف أبو الهيجا:” إن التغيرات التي يعيشها الطرفين من شأنها أن تُنهي هذا الزواج، وذلك لعدم التوافق العمري بين الزوجين، إذ غالبًا ما يكون الزواج بين رجل كبير مقارنة بعمر الفتاة الصغير،الأمر الذي يسبب فجوة بين الطرفين بسبب الاختلاف بالاهتمامات والأدوار،مما يؤثر على التوافق والتكيف بينهما”.

من هنا تكمن أهمية القيام ببرامج وندوات ودورات توعوية،ومراكز نسوية تشجع الفتيات على تطوير إمكانياتهن ومهاراتهن، وتكفل للفتيات المتزوجات مواصلة تعليمهن، وتوعية الأفراد حول المشاكل والآثار المترتبة على الزواج المبكر، ذلك لأن الفتاة التي تتزوج قبل الثامنة عشر هي طفلة، لم تعط فرصة كافية لتنضج من ناحية عاطفية، اجتماعية، جسدية، وعقلية، ولم يتح لها المجال لتطوير مهاراتها وتنمية إمكاناتها المعرفية، واكتشاف ذاتها، ومعرفة  مدى قدرتها على تحمل المسؤوليات العامة والأسرية،وتصبح أسيرة وضع غير مهيأة له، حيث تصبح في مدة قصيرة أمًا وهي طفلة، وبالتالي تصبح مشاركتها في المجال العاممسألة شبة مستحيلة.

مشاريع شقق جهاد أبو سيدو
رابط مختصر
2018-11-27 2018-11-27
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

أدخل الرمز التالي *

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة موقع عاصمة الشتات - وهي تعبر عن رأي كاتبها حصرياً.

عاصمة الشتات