هكذا أدمنت .. وهكذا أصبحت!

عاصمة الشتاتwait... مشاهدةآخر تحديث : السبت 21 يوليو 2018 - 11:53 صباحًا
هكذا أدمنت .. وهكذا أصبحت!
مشاريع شقق جهاد أبو سيدو

المصدر: وكالة القدس للأنباء – ميرنا حامد

“طلّع الإنسان اللي جواتك وبطل مخدرات .. ارجع لأهلك ويلي بحبوك .. وانسى الماضي وكل شي عملته من قبل”، هذا ما خلص إليه شاب فلسطيني بعد تجربة مريرة دامت 17 عاماً مع المخدرات، أودت به إلى وضع مأساوي ومتدهور على الصعد كافة، اجتماعية وصحية ومهنية وعلاقات انسانية، قبل أن يستعيد حياته الطبيعية.

بدأ الشاب هاني عوض علاقته مع تعاطي المخدرات في سن مبكر لم يتجاوز الثالثة عشر، عندما اتخذ منها في البداية نوعاً من التسلية وفضول الاستكشاف، فتعاطى حشيشة الكيف لمدة طويلة من الزمن، استمرت حتى تخرج من الجامعة فرع الفنون الجميلة، عام 2001.

وتطورت مرحلة الإدمان لدى عوض حتى باتت مستعصية جداً بعد سفره إلى لبنان واستقراره في حي حطين في مخيم عين الحلوة للعيش، فاضطر دون وعي إلى القيام بأعمال لم يكن يدرك نتائجها وخطورتها عليه، كالسرقة وتجربة أنواع جديدة من المخدرات، كالهيرويين التي أودت به إلى فقدان السيطرة على ذاته، حتى وصل به الحال إلى سجنه مدة عشر سنوات.

يقول عوض في حديث لـ “وكـالة القـدس للأنـبـاء”:  “وصلت لمرحلة عميقة من الإدمان ، عجزت فيها عن إيجاد حل، صرت أستنى الموت بجرعة زائدة أو الحبس بسببها.. حاولت بمفردي أن أشفى من التعاطي، لكنني فشلت وكبريائي لم يكن يسمح بأن تنمد يد العون لي”.

إدمان الشباب على المخدرات يعود لأسباب عدة منها: اجتماعية، صحية، مهنية وعاطفية، فضلاً عن رفاق السوء الذين يشكلون سبباً أساسياً في التغرير بالإنسان، ودفعه نحو الممارسات السلبية، فيهرب الشاب من واقعه عبر سيجارة أو إبرة في الوريد، أو حبة صغيرة، وهذا ما أكده عوض: “مريض المخدرات أجبن من أن يواجه أي مشكلة بسيطة يتعثر بها في الحياة، فيلجأ إلى الإدمان للهروب من حلها”.

ويضيف: “لم أكن أحسب حساباً لصحتي، ولا للناس التي كانت تحبني، فخسرتها لأنها بدأت تبعد عني شيئاً فشيئاً. مريض المخدرات يعتقد في عقله الباطني، أن الناس تخاف منه عند رؤيته، وتجعل له قدراً ومقاماً، إلا أنها في الحقيقة تشعر بالقرف تجاه المدمن وتتجنب التعاطي معه، ما يجعله يفقد علاقاته الاجتماعية فجأة، ونحن المدمنون لو كنا نرى أنفسنا في المرآة لكنا استحقرنا حالنا من منظرنا”.

قصد عوض مركز “إنسان” لرعاية الشباب من الإدمان، الواقع في مخيم برج البراجنة ببيروت، بعدما وصل إلى أسوء مراحل حياته، وبات قاب قوسين أو أدنى من الموت.

ويوضح عوض: “وقفوا معي أشخاص كثر لأتخلص من الآفة، لكن هناك شخص معين دعمني وغير حياتي، وهو ما كان له أي غاية من مساعدتي، وقدم لي العون بدون أي مقابل”.

ويتابع: “أول فترة علاجي في المركز كانت فترة تأهيلية، لإخراج السموم من جسمي. بعدها بدأت العمل في ورشة حرفية صغيرة داخل المركز، حيث علمنا القيمون عليها كيف نستيقظ صباحاً، ونرتب سريرنا ونشرب قهوتنا، وننهض إلى العمل فيها، ونصنع شيئاً بيدنا ونفرح لذلك، خاصة عندما يحمل العمل اسمنا، وتعودنا على الالتزام بمواعيد انجاز العمل، والمثابرة على تحسينه في حال لم ينجز بطريقة جيدة من أول مرة”.

ويقول: “علمني شخص في إدارة المركز شعاراً وهو أن تشعر بالألم فأنت حي، وأن تشعر بألم الآخرين فأنت إنسان”.  معتبرا أن “الفرد عندما يصبح لديه احساس تجاه أي انسان، وقلبه ينبض تجاه طفل صغير عندما يقع، حينها يكون انساناً”.

بعد شفاء عوض من الإدمان بشكل كامل، بعد فترة علاجية استمرت نحو سنة تقريباً، انقلبت حياته رأساً على عقب، وتفتحت آفاقه على مسار الحياة السوية والناجحة، فتغير منهجه وأسلوبه في الحياة، وتبدلت طريقة تعامله مع الناس، وصار يفكر بشكل منطقي أكثر، وأصبح يخطط لتحقيق أهداف في مستقبله، وتعرف إلى أشخاص جدد ليس لهم أي غايات خاصة.

مركز “إنسان” الواقع في مخيم لا تتعدى مساحته الكيلو متر مربع، لا يحث الشباب عن الإقلاع عن آفة المخدرات فحسب، بل ينهض بهم من حالة الضياع إلى الولادة من جديد، فيعمل على علاج أوضاع المدمنين النفسية، وتخفيف مشاكلهم الاجتماعية، وشد أواصرهم في الحياة العملية، وتعزيز علاقاتهم وروابطهم الاجتماعية مع الآخرين، بحيث تتواصل إدارة المركز مع العديد من الجمعيات الخيرية والاجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني، لتأمين فرص عمل للشباب المتعافيين من الإدمان، كي لا يعودوا إلى حيثما كانوا جراء حالتي البطالة والتعاطي.

ويؤكد عوض أن “مدير المركز وجد لي عملاً في معمل منظفات، عملت فيه 4 أشهر، كنت أقبض راتبي أسبوعياً، وعندما استلمت أول مئة دولار فرحت فيها كثيراً، ولم أصرفها بل خبأتها حتى الآن”.

ويضيف: “لأنني أحب الرسم بالرصاص ورسم الأوشام، اقترحت على مدير المركز أن أجمع بعض المال لأفتح قهوة وأشتري مكنة لتعديل الوشم. بعد أسبوع فاجأني المدير باستئجاره لي محلاً، وجهز مستلزماته واشترى مكنة اكسبرس”، مشيراً إلى أنه  “أطلع بعض الزبائن على ماضي حياتي وتفهموه، فيما البعض الآخر حاول إستدراجه لتعاطي المخدرات مجدداً”.

ويتابع: “لم أتوقع أن أشفى يوماً ما، وأن تصبح لدي إرادة قوية”، شاكراً “كل القيميين في مركز انسان على مساعدتهم له وللمدمنين على الإقلاع عن تعاطي المخدرات، وبخاصة مدير مركز إنسان الذي يتابع المرضى في مراحل العلاج كافة”.

ووجه عوض دعوة لجميع المدمنين، قائلاً: “من يمد لك العون تمسك بيده، سوف تتعب بعض الشيء، لكنك ستتخطى وستحصد ثمرة عزيمتك، وستشعر وكأنك شخصاً جديداً، وستتغير نظرة الناس إليك”، متمنياً أن “يقلع الشباب عن هذه الآفة الخطيرة، وأن يأخذوا المبادرة لذلك، وأن لا ييأسوا من الشفاء”.

رحلة الشاب هاني عوض المريرة مع المخدرات تستحق التأمل والتبصر لاستخراج العبر منها، لما تشكله من خطر داهم على الإنسان والمجتمع.. فهل من يتعظ؟

مشاريع شقق جهاد أبو سيدو
رابط مختصر
2018-07-21 2018-07-21
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

أدخل الرمز التالي *

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة موقع عاصمة الشتات - وهي تعبر عن رأي كاتبها حصرياً.

عاصمة الشتات